|
الجنة والنار مخلوقتان ، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان
وقوله [في العقيدة الطحاوية] : ( والجنة والنار مخلوقتان ،
لا تفنيان أبداً ولا تبيدان ، فإن الله تعالى
خلق الجنة والنار قبل الخلق ، وخلق لهما أهلاً ، فمن شاء
منهم إلى الجنة فضلاً منه
،
ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه ، وكل يعمل لما [قد] فرغ
له ، وصائر إلى ما خلق
له ، والخير والشر مقدران على العباد ) .
ش : أما قوله : إن الجنة
والنار
مخلوقتان ، فاتفق
أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن ، ولم يزل
أهل السنة
على ذلك ، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية ، فأنكرت ذلك ، وقالت :
بل ينشئهما
الله يوم القيامة ! ! وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة
لما يفعله
الله ، وأنه ينبغي أن يفعل كذا ، ولا ينبغي له أن يفعل كذا ! ! وقاسوه
على خلقه في
أفعالهم ، فهم مشبهة في الأفعال ، ودخل التجهم فيهم ، فصاروا مع ذلك
معطلة !
وقالوا : خلق الجنة قبل الجراء عبث ! لأنها تصير معطلة مدداً متطاولة ! !
فردوا من
النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى ، وحرفوا
النصوص عن
مواضعها ، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم .
فمن نصوص
الكتاب : قوله
تعالى عن
الجنة :
أعدت
للمتقين
.
أعدت
للذين آمنوا
بالله ورسله
.
وعن النار :
أعدت
للكافرين
.
إن جهنم كانت
مرصادا * للطاغين مآبا
.
وقال تعالى
:
ولقد رآه
نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى
.
وقد رأى
النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى ، ورأى
عندها جنة
المأوى . كما في
الصحيحين
،
من حديث
أنس
رضي الله عنه
، في قصة الإسراء ، وفي آخره : ثم انطلق بي
جبرائيل ،
حتى أتى سدرة المنتهى ، فغشيها ألوان لا أدري ما هي ، قال : ثم دخلت
الجنة ، فإذا
هي جنابذ اللؤلؤ ، واذا ترابها المسك
وفي
الصحيحين
من
حديث
عبد
الله بن
عمر
رضي الله
عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن
أحدكم إذا
مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة
،
وإن كان من
أهل النار فمن أهل النار ، يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم
القيامة
.
وتقدم
حديث
البراء بن
عازب
،
وفيه : ينادي
مناد من السماء : أن صدق عبدي ، فأفرشوه من الجنة ، وافتحوا
له باباً إلى
الجنة ، قال : فيأتيه من روحها وطيبها
.
وتقدم
حديث
أنس
بمعنى حديث
البراء
.
وفي
صحيح مسلم
،
عن
عائشة
رضي الله
عنها ، قالت : خسفت الشمس على عهد رسول الله
صلى الله
عليه وسلم ، فذكرت الحديث ، وفيه : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
رأيت في
مقامي هذا كل شيء وعدتم به ، حتى لقد رأيتني آخذ قطفاً من الجنة حين
رأيتموني
تقدمت ولقد رأيت النار يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت
.
وفي
الصحيحين
،
واللفظ
للبخاري
،
عن
عبد الله
ابن عباس
،
قال : انخسفت
الشمس على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر الحديث ، وفيه : فقالوا: يا
رسول الله
رأيناك تناولت شيئاً في مقامك ، ثم رأيناك تكعكعت ؟ فقال : إني رأيت
الجنة ،
وتناولت عنقوداً ، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ، ورأيت النار ،
فلم أر
منظراً كاليوم قط أفظع ، ورأيت أكثر أهلها النساء ، قالوا : بم ، يا رسول
الله ؟ قال :
بكفرهن ، قيل : أيكفرن بالله ؟ قال : يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان ،
لو أحسنت إلى
إحداهن الدهر كله ، ثم رأت منك شيئاً ، قالت : ما رأيت خيراً قط ! !
وفي
صحيح مسلم
من
حديث
أنس
:
وايم الذي
نفسي بيده ، لو رأيتم ما رأيت ، لضحكتم قليلاً
وبكيتم
كثيراً . قالوا : وما رأيت يا رسول الله ؟ قال : رأيت الجنة والنار
وفي
الموطأ
والسنن
،
من
حديث
كعب ابن
مالك
،
قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم
:
إنما نسمة
المؤمن طير تعلق في شجر الجنة ، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة
.
وهذا صريح في دخول الروح
الجنة قبل يوم القيامة . وفي
صحيح مسلم
و
السنن
و
المسند
.
من
حديث
أبي
هريرة
رضي الله
عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما خلق الله
الجنة والنار
، أرسل جبرائيل إلى الجنة ، فقال : اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت
لأهلها فيها
، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها ، فرجع فقال : وعزتك ،
لا يسمع بها
أحد إلا دخلها ، فأمر بالجنة ، فحفت بالمكاره ، فقال : ارجع فانظر
إليها وإلى
ما أعددت لأهلها فيها ، قال : فنظر إليها ، ثم رجع فقال : وعزتك ، لقد
خشيت أن لا
يدخلها أحد ، قال : ثم أرسله إلى النار ، قال : اذهب فانظر إليها وإلى
ما أعددت
لأهلها فيها ، قال : فنظر إليها ، فإذا هي يركب بعضها بعضاً ، ثم رجع فقال
:
وعزتك ، لا
يدخلها أحد سمع بها ، فأمر بها فحفت بالشهوات ، ثم قال : اذهب فانظر
إلى ما أعددت
لأهلها فيها ، فذهب فنظر إليها ، فرجع فقال : وعزتك ، لقد خشيت أن لا
ينجو منها
أحد إلا دخلها
.
ونظائر ذلك
في السنة كثيرة .
وأما على
قول من قال
: إن الجنة الموعود بها هي الجنة التي كان فيها آدم ثم أخرج منها ،
فالقول
بوجودها الآن ظاهر ، والخلاف في ذلك معروف .
وأما شبهة
من قال : إنها لم
تخلق بعد ،
وهي : أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطراراً أن تفنى يوم القيامة وأن
يهلك كل من
فيها ويموت ، لقوله تعالى :
كل شيء هالك
إلا وجهه
.
و
كل نفس ذائقة
الموت
،
وقد
روى
الترمذي
في جامعه ،
من حديث
ابن
مسعود
رضي الله
عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقيت
إبراهيم ليلة
أسري بي ، فقال : يا محمد ، أقرىء أمتك مني السلام ، وأخبرهم أن الجنة
طيبة التربة
، عذبة الماء ، وأنها قيعان ، وأن غراسها سبحان الله ، والحمد لله ،
ولا إله إلا
الله ، والله أكبر
،
قال : هذا حديث حسن غريب .
وفيه أيضاً
من حديث
أبي الزبير
،
عن
جابر
،
عن النبي صلى
الله عليه وسلم ، أنه قال : من قال سبحان
الله وبحمده
، غرست له نخلة في الجنة
،
قال : هذا حديث حسن صحيح ،
قالوا :
فلو كانت مخلوقة
مفروغاً منها لم تكن قيعاناً ، ولم يكن لهذا الغراس معنى . قالوا :
وكذا قوله
تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت :
رب ابن لي
عندك بيتاً
في الجنة
فالجواب :
إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في
الصور وقيام
الناس من القبور ، فهذا باطل ، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم
يذكر ، وإن
أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها ، وأنها لا يزال
الله يحدث
فيها شيئاً بعد شيء ، وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم
أموراً أخر-
فهذا حق لا يمكن رده ، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر . وأما
احتجاجكم
بقوله تعالى :
كل شيء هالك
إلا وجهه
،
فأتيتم من
سوء فهمكم
معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن - نظير احتجاج
إخوانكم على
فنائهما وخرابهما وموت أهلهما ! ! فلم توفقوا أنتم لا إخوانكم لفهم
معنى الآية
، وإنما وفق لذلك أئمة الاسلام . فمن كلامهم : أن المراد كل شيء مما كتب
[الله] عليه
الفناء والهلاك هالك ، والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ، وكذلك
العرش ،
فإنه سقف الجنة . وقيل : المراد إلا ملكه . وقيل : إلا ما أريد به وجهه .
وقيل : إن
الله تعالى أنزل :
كل من عليها
فان
،
فقالت
الملائكة :
هلك أهل الأرض ، وطمعوا في البقاء ، فأخبر تعالى عن أهل السماء والأرض
أنهم يموتون
، فقال :
كل
شيء هالك إلا وجهه
،
لأنه حي لا
يموت ،
فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت . وإنما قالوا ذلك توفيقاً بينها وبين
النصوص
المحكمة ، الدالة على بقاء الجنة ، وعلى بقاء النار أيضاً ، على ما يذكر عن
قريب ، إن
شاء الله تعالى .
وقوله : لا
تفنيان أبدا ولا تبيدان - هذا قول جمهور
الأئمة من
السلف والخلف . وقال ببقاء الجنة وبفناء النار جماعة من السلف والخلف ،
والقولان
مذكوران في كثير من كتب التفسير وغيرها . قال بفناء الجنة والنار الجهم بن
صفوان إمام
المعطلة ، وليس له سلف قط ، لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ،
ولا من أئمة
المسلمين ، ولا من أهل السنة . وأنكره عليه عامة أهل السنة ، وكفروه به
، وصاحوا به
وبأتباعه من أقطار الأرض . وهذا قاله لأصله الفاسد الذي اعتقده ، وهو
امتناع وجود
[ما] لا يتناهى من الحوادث ! وهو عمدة أهل الكلام المذموم ، التي
استدلوا بها
على حدوث الأجسام ، وحدوث ما لم يخل من الحوادث ، وجعلوا ذلك عمدتهم في
حدوث العالم
. فرأى جهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي ، يمنعه في
المستقبل !
! فدوام الفعل عنده على الرب في المستقبل ممتنع ، كما هو ممتنع عنده
عليه في
الماضي! ! وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة ، وافقه على هذا الأصل ، لكن
قال : إن
هذا يقتضي فناء الحركات ، فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار ، حتى يصيروا
في سكون
دائم ، لا يقدر أحد منهم على حركة ! ! وقد تقدم الإشارة إلى اختلاف النار
في تسلسل
الحوادث في الماضي والمستقبل ، وهي مسألة دوام فاعلية الرب تعالى ، وهو لم
يزل رباً
قادراً فعالاً لما يريد ، فإنه لم يزل حياً عليماً قديراً . ومن المحال أن
يكون الفعل
ممتنعا عليه لذاته ، ثم ينقلب فيصير ممكناً لذاته ، من غير تجدد [شيء] ،
وليس للأول
حد محدود حتى يصير الفعل ممكناً له عند ذلك الحد، ويكون قبله ممتنعاً
عليه . فهذا
القول تصوره كاف في الجزم بفساده .
فأما أبدية
الجنة ، وأنها لا
تفنى ولا
تبيد ، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به ،
قال تعالى :
وأما الذين
سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت
السماوات
والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ
،
أي غير مقطوع ، ولا ينافي
[ذلك] قوله
:
إلا ما شاء
ربك
.
واختلف السلف في هذا
الإستثناء :
فقيل : معناه إلا مدة مكثهم في النار ، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى
النار ثم
أخرج منها ، لا لكلهم . وقيل : إلا مده مقامهم في الموقف . وقيل : إلا مدة
مقامهم في
القبور والموقف. وقيل : هو استثناء الرب ولا يفعله ، كما تقول : والله
لأضربنك إلا
أن أرى غير ذلك ، وأنت لا تراه ، بل تجزم بضربه . وقيل : إلا بمعنى
الواو ،
وهذا على قول بعض النحاة ، وهو ضعيف . وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن ، فيكون
الاستثناء
منقطعاً ، ورجحه
ابن جرير
وقال : إن
الله
تعالى لا خلف لوعده
، وقد وصل الاستثناء بقوله :
عطاء غير
مجذوذ
.
قالوا : ونظيره أن تقول :
أسكنتك داري حولاً إلا ما شئت ، أي سوى ما شئت ،
ولكن ما شئت
من الزيادة عليه . وقيل : الاستثناء لإعلامهم ، بأنهم مع خلودهم في
مشيئة الله
، لأنهم يخرجون عن مشيئته ، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود ،
كما في قوله
تعالى :
ولئن
شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا
تجد لك به
علينا وكيلًا
،
وقوله تعالى :
فإن يشإ الله
يختم
على قلبك
،
وقوله :
قل لو شاء
الله ما تلوته عليكم ولا
أدراكم به
.
ونظائره كثيرة ، يخبر
عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته ، ما
شاء كان ،
وما لم يشأ لم يكن . وقيل : إن ما بمعنى من أي : إلا من شاء الله دخوله
النار
بذنوبه من السعداء . وقيل غير ذلك . وعلى كل تقدير ، فهذا الاستثناء من
المتشابه ،
وقوله :
عطاء
غير مجذوذ
،
محكم . وكذلك قوله
تعالى :
إن هذا
لرزقنا ما له من نفاد
.
وقوله :
أكلها دائم
وظلها
.
وقوله :
وما هم منها
بمخرجين
.
وقد أكد الله خلود أهل
الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن ،
وأخبر أنهم
:
لا يذوقون
فيها الموت إلا الموتة الأولى
،
وهذا الاستثناء منقطع ،
وإذا ضممته إلى الإستثناء في قوله تعالى :
إلا ما شاء
ربك
-
تبين أن المراد من الآيتين
استثناء الوقت الذي
لم يكونوا
فيه في الجنة من مدة الخلود ، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت ،
فهذه موتة
تقدمت على حياتهم الأبدية ، وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها .
والأدلة من
السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيره :
كقوله صلى
الله عليه
وسلم : من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت
.
وقوله :
ينادي مناد : يا أهل الجنة ، إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً
،
وأن تشبوا
فلا تهرموا أبداً ، وأن تحيوا فلا تموتوا أبداً
.
وتقدم ذكر ذبح
الموت بين
الجنة والنار ،
ويقال : يا
أهل الجنة ، خلود فلا موت ،
ويا أهل
النار ، خلود فلا موت
.
وأما أبدية
النار ودوامها ، فللناس في
ذلك ثمانية
أقوال : أحدها : أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد ، وهذا قول
الخوارج
والمعتزلة . والثاني : أن أهلها يعذبون فيها ، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى
طبيعة
النارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم ! وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي
الطائي ! !
الثالث : أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ، ثم يخرجون منها ،
ويخلفهم
فيها قوم آخرون ، وهذا القول حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم ،
وأكذبهم فيه
، وقد أكذبهم الله تعالى ، فقال عز من قائل :
وقالوا
لن تمسنا
النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم
تقولون على
الله ما لا تعلمون * بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب
النار هم
فيها خالدون
.
الرابع : يخرجون منها ،
وتبقى على حالها ليس فيها
أحد .
الخامس : أنها تفنى بنفسها ، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه !!
وهذا
قول الجهم وشيعته ،
ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار ، كما تقدم . السادس :
تفنى حركات
أهلها ويصيرون جماداً ، لا يحسون بألم ، وهذا قول أبي الهذيل العلاف كما
تقدم .
السابع : أن الله يخرج منها من يشاء ، كما ورد في الحديث ، ثم يبقيها شيئاً
، ثم يفنيها
، فإنه جعل لها أمداً تنتهي إليه . الثامن : أن الله تعالى يخرج منها
من شاء ،
كما ورد في السنة ، ويبقى فيها الكفار، بقاء لا انقضاء له ، كما قال الشيخ
رحمه الله .
وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان .
وهذان
القولان لأهل
السنة ينظر
في أدلتهما . فمن أدلة القول الأول منهما : قوله تعالى :
قال النار
مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم
.
وقوله تعالى .
فأما الذين
شقوا ففي النار لهم فيها زفير
وشهيق *
خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد
.
ولم يأت بعد هذين
الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة ،
وهو قوله :
عطاء غير
مجذوذ
.
وقوله تعالى :
لابثين فيها
أحقابا
.
وهذا القول ، أعني القول
بفناء النار دون
الجنة -
منقول عن
عمر
،
و
ابن مسعود
،
و
أبي هريرة
،
و
أبي سعيد
،
وغيرهم . وقد
روى
عبد بن
حميد
في تفسيره
المشهور ، بسنده إلى
عمر
رضي الله عنه
،
أنه قال : لو
لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج ، لكان لهم على ذلك وقت
يخرجون فيه
،
ذكر ذلك في
تفسير قوله تعالى :
لابثين فيها
أحقاباً
.
قالوا :
والنار موجب غضبه ، والجنة
موجب رحمته .
وقد
قال صلى الله
عليه وسلم : لما قضى الله الخلق ،
كتب كتاباً ،
فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي
.
وفي رواية :
تغلب غضبي
.
رواه
البخاري
في
صحيحه
من حديث
أبي هريرة
رضي الله
عنه . قالوا
: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه :
عذاب يوم
عظيم
.
و
أليم
.
و
عقيم
. [
ولم
يخبر ولا في
موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم . وقد قال تعالى :
عذابي أصيب
به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء
.
وقال تعالى
حكاية عن
الملائكة :
ربنا وسعت كل
شيء رحمة وعلماً
.
فلا بد أن
تسع
رحمته هؤلاء
المعذبين ، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته . وقد ثبت
في
الصحيح
تقدير يوم
القيامة بخمسين ألف سنة ، والمعذبون
فيها
متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم ، وليس في حكمة أحكم
الحاكيمن
ورحمة أرحم
الراحمين أن يخلق خلقاً يعذبهم أبد الآباد عذاباً سرمداً لا نهاية له .
وأما أنه
يخلق خلقاً ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيماً سرمداً ، فمن مقتضى الحكمة .
والإحسان
مراد لذاته ، والانتقام مراد بالعرض . قالوا : وما ورد من الخلود فيها ،
والتأبيد ،
وعدم الخروج ، وأن عذابها مقيم ، وأنه غرام - : كله حق مسلم ، لا نزاع
فيه ، وذلك
يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية ، وإنما يخرج منها في حال
بقائها أهل
التوحيد . ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله ، وبين من يبطل
حبسه بخراب
الحبس وانتقاضه .
ومن أدلة
القائلين ببقائها وعدم فنائها : قوله :
ولهم عذاب
مقيم
.
لا يفتر عنهم
وهم فيه
مبلسون
.
فلن نزيدكم
إلا عذاباً
.
خالدين فيها
أبداً
.
وما هم منها
بمخرجين
.
وما هم
بخارجين من النار
.
لا
يدخلون الجنة
حتى يلج الجمل في سم الخياط
.
لا يقضى
عليهم
فيموتوا ولا
يخفف عنهم من عذابها
.
إن عذابها
كان غراماً
،
أي مقيماً
لازماً . وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال :
لا إله إلا
الله : وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا
حكم مختص بهم
، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم ، ولم يختص الخروج بأهل
الإيمان .
وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما ، بل بإبقاء الله لهما .
وقوله :
وخلق لهما
أهلاً - قال تعالى :
ولقد ذرأنا
لجهنم كثيراً من الجن
والإنس
،
الآية .
وعن
عائشة
رضي
الله عنها ،
قالت : دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار ،
فقلت : يا
رسول الله ، طوبى لهذا ، عصفور من عصافير الجنة ، لم يعمل سوءاً ولم
يدركه ، فقال
: أو غير ذلك يا
عائشة
،
إن الله خلق
للجنة
أهلاً ،
خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلاً ، خلقهم لها وهم في
أصلاب آبائهم
.
رواه
مسلم
و
أبو داود
و
النسائي
.
وقال تعالى :
إنا خلقنا
الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً *
إنا هديناه
السبيل إما شاكراً وإما كفوراً
.
والمراد
الهداية العامة ، وأعم
منها الهداية
المذكورة في قوله تعالى :
الذي أعطى كل
شيء خلقه ثم
هدى
.
فالموجودات
نوعان : أحدهما مسخر بطبعه ، والثاني متحرك بإرادته فهدى
الأول لما
سخره له طبيعة ، وهدى الثاني هداية إرادية تابعة لشعوره وعلمه بما ينفعه
ويضره . ثم
قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع : نوع لا يريد إلا الخير ولا يتأتى منه
إرادة سواه ،
كالملائكة ، ونوع لا يريد إلا الشر ولا يتأتى منه إرادة سواه ،
كالشياطين ،
ونوع يتأتى منه إرادة القسمين ، كالإنسان . ثم جعله ثلاثة أصناف :
صنفاً يغلب
إيمانه ومعرفته وعقله هواه وشهوته ، فيلتحق بالملائكة . وصنفاً عكسه ،
فيلتحق
بالشياطين . وصنفاً تغلب شهوته البهيمية عقله ، فيلتحق بالبهائم . والمقصود
:
أنه سبحانه
أعطى الوجودين : العيني والعلمي ، فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده ،
فلا هداية
إلا بتعليمه ، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته ، وثبوت وحدانيته ،
وتحقيق
ربوبيته ، سبحانه وتعالى .
وقوله : فمن
شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه ،
ومن شاء منهم
إلى النار عدلاً منه ، إلخ - مما يجب أن يعلم : أن الله تعالى لا يمنع
الثواب إلا
إذا منع سببه ، وهو العمل الصالح ، فإنه :
من يعمل من
الصالحات وهو
مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما
.
وكذلك لا
يعاقب أحداً إلا بعد
حصول سبب
العقاب ، فإن الله تعالى يقول :
وما أصابكم
من مصيبة
فبما كسبت
أيديكم ويعفو عن كثير
.
وهو سبحانه
المعطي المانع ، لا مانع لما
أعطى ، ولا
معطي لما منع .
لكن إذا من
على الإنسان بالإيمان [والعمل] الصالح ،
فلا يمنعه
موجب ذلك أصلاً ، بل يعطيه من الثواب والقرب ما لا عين رأت ، ولا أذن
سمعت ، ولا
خطر على قلب بشر . وحيث منعه ذلك فلانتفاء سببه ، وهو العمل الصالح .
ولا ريب أنه
يهدي من يشاء ، ويضل من يشاء ، لكن ذلك كله حكمة منه وعدل ، فمنعه
للأسباب التي
هي الأعمال الصالحة من حكمته وعدله . وأما المسببات بعد وجود أسبابها
،
فلا يمنعها
بحال ، إذا لم تكن أسباباً غير صالحة ، إما لفساد في العمل ، وإما
لسبب يعارض
موجبه ومقتضاه ، فيكون ذلك لعدم المقتضي ، أو لوجود المانع . وإذا كان
منعه وعقوبته
من عدم الإيمان والعمل الصالح ، وهو لم يعط ذلك [ ابتلاء ] وابتداء [
إلا ] حكمة
منه وعدلاً . فله الحمد في الحالين ، وهو المحمود على كل حال ، كل عطاء
منه فضل ،
وكل عقوبة منه عدل ، فإن الله تعالى حكيم يضع الأشياء في مواضعها التي
تصلح لها ،
كما قال تعالى :
وإذا جاءتهم
آية قالوا لن نؤمن حتى
نؤتى مثل ما
أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته
.
وكما قال
تعالى :
وكذلك فتنا
بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا
أليس الله
بأعلم بالشاكرين
.
ونحو ذلك .
وسيأتي [ لذلك ] زيادة ، إن شاء
الله تعالى .
-----------------------------------------------------------
كتبه : ابن أبي العز الحنفـي
المصدر :
شرح العقيدة الطحاوية
|