|
"
وجوه
يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة
"
قوله [في العقيدة الطحاوية] : (والرؤية حق لأهل الجنة ،
بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا :
"وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة "
.
وتفسيره على ما أراد
الله تعالى وعلمه ، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن
رسول الله صلى الله عليه
وسلم فهو كما قال ، ومعناه على ما أراد ، لا ندخل في ذلك
متأولين بآرائنا ولا
متوهمين بأهوائنا، فانه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز
وجل ولرسوله صلى الله
عليه وسلم . ورد علم ما أشتبه عليه إلى عالمه) .
ش : المخالف في الرؤية
الجهمية
والمعتزلة ومن
تبعهم من الخوارج والإمامية . وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة .
وقد قال
بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون ، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في
الدين ،
وأهل الحديث ، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة .
وهذه
المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها ، وهي الغاية التي شمر إليها
المشمرون ،
وتنافس المتنافسون ، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون ، وعن بابه
مردودون .
وقد ذكر
الشيخ رحمه الله من الأدلة قوله تعالى :
وجوه يومئذ
ناضرة* إلى ربها ناظرة
.
وهي من أظهر الأدلة . وأما
من أبى إلا
تحريفها بما يسميه تأويلاً - : فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار
والحساب ،
أسهل من تأويلها على أرباب التأويل . ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص
ويحرفها عن
مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص .
وهذا
الذي أفسد
الدنيا والدين . وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل ،
وحذرنا الله
أن نفعل مثلهم . وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم ، وكم جنى التأويل
الفاسد على
الدين وأهله من جناية . فهل قتل
عثمان
رضي
الله عنه
إلا بالتأويل الفاسد ؟ وكذا ما جرى في يوم الجمل ، وصفين ، ومقتل
الحسين
،
والحرة ؟ وهل خرجت الخوارج
، واعتزلت المعتزلة ،
ورفضت
الروافض ، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، إلا بالتأويل الفاسد؟ !
وإضافة
النظر إلى الوجه ، الذي هو محله ، في هذه الآية ، وتعديته بأداة إلى
الصريحة في
نظر العين ، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه حقيقة موضوعة صريحة
في أن الله
أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله .
فإن النظر
له عدة
استعمالات ، بحسب صلاته وتعديه بنفسه : فإن عدي بنفسه فمعناه : التوقف
والإنتظار :
انظرونا
نقتبس من نوركم
.
وإن عدي بـ في
فمعناه :
التفكر والإعتبار ، كقوله :
أولم ينظروا
في ملكوت
السماوات
والأرض
.
وإن عدي بـ إلى فمعناه :
المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى
:
انظروا إلى
ثمره إذا أثمر
.
فكيف إذا أضيف إلى الوجه
الذي هو محل
البصر؟
وروى
ابن مردويه
بسنده إلى
ابن عمرو
،
قال : قال
رسول الله صلى
الله عليه
وسلم - في قوله تعالى :
وجوه يومئذ
ناضرة
قال :
من البهاء
والحسن
إلى ربها
ناظرة
،
قال في وجه
الله عز وجل
.
عن
الحسن
قال : نظرت
إلى ربها فنضرت بنوره .
وقال
أبو صالح
عن
ابن عباس
رضي الله
عنهما ، [
إلى ربها
ناظرة
قال : تنظر
إلى
وجه ربها عز وجل .
وقال
عكرمة
:
وجوه
يومئذ ناضرة
،
قال : من النعيم ،
إلى ربها
ناظرة
،
قال : تنظر إلى ربها نظراً
، ثم حكى عن
ابن عباس
مثله] .
وهذا قول
المفسرين من أهل السنة والحديث . وقال تعالى :
لهم ما
يشاؤون فيها
ولدينا مزيد
.
قال
الطبري
:
قال
علي بن أبي
طالب
و
أنس بن
مالك
:
هو النظر إلى وجه الله عز
وجل . وقال تعالى :
للذين
أحسنوا
الحسنى وزيادة
،
فالحسنى : الجنة ،
والزيادة : هي النظر إلى وجهه
الكريم ،
فسرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده ، كما
روى
مسلم
في
صحيحه
عن
صهيب
،
قال : قرأ
رسول الله صلى الله عليه
وسلم :
للذين أحسنوا
الحسنى وزيادة
،
قال : إذا
دخل أهل
الجنة الجنة
، وأهل النار النار، نادى مناد : يا أهل الجنة ، إن لكم عند الله
موعداً يريد
أن ينجزكموه ، فيقولون : ما هو ؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا
ويدخلنا
الجنة ويجرنا من النار ؟ فيكشف الحجاب ، فينظرون إليه ، فما أعطاهم شيئاً
أحب إليهم من
النظر اليه ، وهي الزيادة
.
ورواه غيره بأسانيد متعددة
وألفاظ
أخر ، معناها أن
الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل . وكذلك فسرها الصحابة رضي الله
عنهم . روى
ابن جرير
[ذلك]
عن جماعة ، منهم :
أبو بكر
الصديق
رضي الله
عنه ، و
حذيفة
،
و
أبو موسى
الاشعري
،
و
ابن
عباس
،
رضي الله عنهم .
وقال تعالى
:
كلا إنهم عن
ربهم
يومئذ
لمحجوبون
.
احتج
الشافعي
رحمه الله
وغيره
من الأئمة بهذه
الآية على الرؤية لأهل الجنة ، ذكر ذلك
الطبري
وغيره عن
المزني
عن
الشافعي
.
وقال
الحاكم
:
حدثنا
الأصم
حدثنا
الربيع ابن
سليمان
قال : حضرت
محمد بن
إدريس الشافعي
،
وقد جاءته رقعة من الصعيد
فيها : ما
تقول في قول الله
عز وجل :
كلا
إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
؟ فقال
الشافعي
:
لما أن حجب هؤلاء في السخط
،
كان في هذا دليل على أن
أولياءه يرونه في الرضى .
وأما
استدلال المعتزلة بقوله
تعالى :
لن تراني
،
وبقوله تعالى :
لا
تدركه
الأبصار
-
فالآيتان دليل عليهم :
أما الآية
الأولى : فالاستدلال
منها على
ثبوت رؤيته من وجوه : أحدها : أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم
الناس بربه
في وقته - أن يسأل ما لا يجوز عليه ، بل هو عندهم من أعظم المحال .
الثاني : أن
الله لم ينكر عليه سؤاله ، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله ،
وقال :
إني أعظك أن
تكون من الجاهلين
.
الثالث : أنه تعالى
قال :
لن تراني
،
ولم يقل : اني لا أرى ، أو
لا تجوز رؤيتي ،
أو لست بمرئي .
والفرق بين الجوابين ظاهر . ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه
رجل طعاماً
فقال : أطعمنيه ، فالجواب الصحيح : أنه لا يؤكل ، أما إذا كان طعاماً صح
أن يقال :
إنك لن تأكله . وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي ، ولكن موسى لا تحتمل قواه
رؤيته في
هذه الدار ، لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى . يوضحه : الوجه الرابع :
وهو
قوله :
ولكن انظر
إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني
.
فأعلمه أن الجبل مع قوته
وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف
بالبشر الذي
خلق من ضعف ؟ الخامس : أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقراً
، وذلك ممكن
، وقد علق به الرؤية ، ولو كانت محالاً لكان نظير أن يقول : إن استقر
الجبل فسوف
آكل وأشرب وأنام . والكل عندهم سواء . السادس : قوله تعالى :
فلما تجلى
ربه للجبل جعله دكاً
،
فإذا جاز أن يتجلى للجبل ،
الذي
هو جماد لاثواب له
ولا عقاب ، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته ؟
ولكن الله
أعلم موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف .
السابع : أن
الله كلم موسى وناداه وناجاه ، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع
مخاطبه
كلامه بغير واسطة - فرؤيته أولى بالجواز . ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا
بإنكار
كلامه ، وقد جمعوا بينهما . وأما دعواهم تأييد النفي بـ لن وأن ذلك يدل على
نفي الرؤية
في الآخرة - : ففاسد ، فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في
الآخرة،
فكيف إذا أطلقت ؟ قال تعالى :
ولن يتمنوه
أبداً
،
مع قوله :
ونادوا يا
مالك ليقض علينا ربك
.
ولأنها لو كانت
للتأبيد
المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها ، وقد جاء ذلك ، قال تعالى :
فلن أبرح
الأرض حتى يأذن لي أبي
.
فثبت أن لن لا تقتضي النفي
المؤبد .
قال الشيخ
جمال الدين
ابن مالك
رحمه الله :
ومن رأى
النفي بلن مؤبدا فقوله أردد وسواه فاعضدا
وأما الآية
الثانية : فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف ، وهو
: أن الله
تعالى إنما ذكرها في سياق التمدح ، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات
الثبوتية ،
وأما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به ، وإنما يمدح الرب تعالى
بالنفي إذا
تضمن أمراً وجودياً ، كمدحه بنفي السنة والنوم ، المتضمن كمال القيومية
، ونفي
الموت المتضمن كمال الحياة ، ونفي اللغوب والإعياء ، المتضمن كمال القدرة ،
ونفي الشريك
والصاحبة والولد والظهير ، المتضمن كمال الربوبية والألوهية وقهره ،
ونفي الأكل
والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه ، ونفي الشفاعة عنده إلا بإذنه
المتضمن
كمال توحده وغناه عن خلقه ، ونفي الظلم ، المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه ،
ونفي
النسيان وعزوب شيء عن علمه ، المتضمن كمال علمه وإحاطته ، ونفي المثل ،
المتضمن
لكمال ذاته وصفاته . ولهذا لم يتمدح بعدم محض لم يتضمن أمراً ثبوتياً ، فإن
المعدم
يشارك الموصوف في ذلك العدم ، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه
،
فإن المعنى : أنه يرى ولا
يدرك ولا يحاط به ، فقوله :
لا تدركه
الأبصار
،
يدل على كمال عظمته ، وأنه
أكبر من كل شيء ، وأنه لكمال عظمته لا
يدرك بحيث
يحاط به ، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء ، وهو قدر زائد على الرؤية ،
كما قال
تعالى :
فلما
تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون *
قال كلا
،
فلم ينف موسى الرؤية ،
وإنما نفى الإدراك ، فالرؤية والإدراك كل
منهما يوجد
مع الآخر وبدونه ، فالرب تعالى يرى ولا يدرك ، كما يعلم ولا يحاط به
علماً ،
وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية ، كما ذكرت أقوالهم في تفسير
الآية . بل
هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه .
وأما
الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، الدالة على الرؤية
فمتواترة ،
رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن . فمنها :
حديث
أبي هريرة
:
أن ناساً
قالوا : يا رسول الله ، هل نرى
ربنا يوم
القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تضارون في رؤية القمر
ليلة البدر ؟
قالوا : لا يا رسول الله ، قال : هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟
قالوا : لا ،
قال فإنكم ترونه كذلك
،
الحديث ، أخرجاه في
الصحيحين
بطوله .
وحديث
أبي سعيد
الخدري
أيضاً في
الصحيحين
نظيره .
وحديث
جرير بن
عبد الله البجلي
،
قال :
كنا جلوساً
مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة ، فقال :
إنكم سترون
ربكم عياناً ، كما ترون هذا ، لا تضامون في رؤيته
،
الحديث
أخرجاه في
الصحيحين
.
وحديث
صهيب
المتقدم ،
رواه
مسلم
وغيره .
وحديث
أبي موسى
عن النبي صلى
الله عليه وسلم ، قال :
وجنتان من
فضة ، آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب ، آنيتهما وما فيهما ، وما بين
القوم وبين
أن يروا ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن
،
أخرجاه في
الصحيحين
.
ومن
حديث
عدي بن
حاتم
:
وليلقين الله
أحدكم يوم
يلقاه ، وليس
بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ، فيقول : ألم أبعث إليك رسولاً
فيبلغك ؟
فيقول : بلى يا رب ، فيقول : ألم أعطك مالاً وأفضل عليك ؟ فيقول ، بلى يا
رب
.
أخرجه
البخاري
في
صحيحه
.
وقد روى
أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابياً . ومن أحاط بها معرفة يقطع
بأن الرسول
قالها ، ولولا أني التزمت الأختصار لسقت ما في الباب من الأحاديث .
ومن أراد
الوقوف عليها فليواظب سماع الأحاديث النبوية ، فإن فيها مع إثبات
الرؤية أنه
يكلم من شاء إذا شاء ، وأنه يأتي لفصل القضاء يوم القيامة ، وأنه فوق
العالم ،
وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ، وأنه يتجلى لعباده ،
وأنه يضحك ،
إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية بمنزلة الصواعق . وكيف
تعلم أصول
دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله ؟ وكيف يفسر كتاب الله بغير ما
فسره به
رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم ، الذين نزل القرآن
بلغتهم ؟
وقد
قال
صلى الله عليه وسلم : من قال في القرآن برأيه
فليتبوأ
مقعده من النار
.
وفي رواية :
من قال في القرآن
بغير علم
فليتبوأ مقعده من النار
.
وسئل
أبو بكر
رضي الله
عنه عن قوله تعالى :
وفاكهة وأباً
.
ما
الأب ؟ فقال
: أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني ، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم ؟
وليس تشبيه
رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله ، بل هو تشبيه
الرؤية
بالرؤية ، لا تشبيه المرئي بالمرئي ، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه
.
وإلا فهل تعقل رؤية بلا
مقابلة ؟ ومن قال : يرى لا في جهة - فليراجع عقله ! ! فإما
أن يكون
مكابراً لعقله وفي عقله شيء ، وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه
ولا عن
يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته ، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة
.
ولهذا ألزم
المعتزلة من نفي العلو بالذات بنفي الرؤية ، وقالوا : كيف تعقل
رؤية بلا
مقابلة بغير جهة ، وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا ، لا لامتناع
الرؤية ،
فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها ، لا لامتناع في
ذات المرئي
، بل لعجز الرائي ، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قوى الآدميين
حتى أطاقوا
رؤيته . ولهذا لما تجلى الله للجبل :
خر موسى صعقا
فلما أفاق
قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين
،
بأنه لا يراك حي إلا مات
، ولا يابس
إلا تدهده ، ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملك في صورته ، إلا من
أيده الله
كما أيد نبينا ، قال تعالى :
وقالوا لولا
أنزل عليه ملك
ولو أنزلنا
ملكاً لقضي الأمر
.
قال غير واحد من السلف :
لا يطيقون أن يروا
الملك في
صورته ، فلو أنزلنا عليهم ملكاً لجعلناه في صورة بشر ، وحينئذ يشتبه عليهم
: هل هو بشر
أو ملك ؟ ومن تمام نعمة الله علينا أن بعث فينا رسولاً منا .
وما
ألزمهم
المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ولا خارجه .
لكن قول من
أثبت موجوداً يرى لا في جهة - أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجوداً
قائماً
بنفسه لا يرى ولا في جهة .
ويقال لمن
قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها
وهو الجهة :
أتريد بالجهة أمراً وجودياً ؟ أو أمراً عدمياً ؟ فإن أراد بها أمراً
وجودياً كان
التقرير : كل ما ليس في شيء موجود لا يرى ، وهذه المقدمة ممنوعة ، ولا
دليل على
إثباتها ، بل هي باطلة ، فإن سطح العالم يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم
آخر. وإن
أردت بالجهة أمراً عدمياً ، فالمقدمة الثانية ممنوعة ، فلا نسلم أنه ليس
في جهة بهذا
الاعتبار .
وكيف يتكلم
في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب
والسنة ،
وإنما يتلقاه من قول فلان ؟! وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى
تفسير كتاب
الله من أحاديث الرسول ، ولا ينظر فيها، ولا فيما قاله الصحابة
والتابعون
لهم بإحسان ، المنقول إلينا عن الثقات النقلة ، الذين تخيرهم النقاد،
فانهم لم
ينقلوا نظم القرآن وحده ، بل نقلوا نظمه ومعناه ، ولا كانوا يتعلمون
القرآن كما
يتعلم الصبيان ، بل يتعلمونه بمعانيه . ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم
برأيه ، ومن
يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم وإن
أصاب ، ومن
أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ ، لكن إن أصاب يضاعف أجره .
وقوله :
والرؤية حق لأهل الجنة ، تخصيص أهل الجنة بالذكر، يفهم منه نفي الرؤية
عن غيرهم .
ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة ، وكذلك يرونه في المحشر قبل
دخولهم
الجنة ، كما ثبت ذلك في
الصحيحين
عن رسول
الله
صلى الله عليه وسلم
. ويدل عليه قوله تعالى :
تحيتهم يوم
يلقونه
سلام
.
واختلف في رؤية أهل المحشر
على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه لا يراه
إلا
المؤمنون . الثاني : يراه أهل الموقف ، مؤمنهم وكافرهم ، ثم يحتجب عن
الكفار
ولا يرونه بعد ذلك
. الثالث : يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار . وكذلك
الخلاف في
تكليمه لأهل الموقف .
واتفقت
الأمه على أنه لا يراه أحد في الدنيا
بعينه ، ولم
يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة : منهم من نفى
رؤيته
بالعين ، ومنهم من أثبتها له صلى الله عليه وسلم . وحكى
القاضي
عياض
في كتابه
الشفا
اختلاف
الصحابة ومن
بعدهم في رؤيته صلى الله عليه وسلم ، وإنكار
عائشة
رضي الله
عنها أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه ، وأنها قالت
لمسروق
حين سألها :
هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : لقد قف
شعري مما
قلت ، ثم قالت : من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب . ثم قال : وقال جماعة
بقول
عائشة
رضي الله
عنها ، وهو المشهور عن
ابن مسعود
و
أبي هريرة
واختلف عنه
،
وقال بإنكار هذا وامتناع
رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين .
وعن
ابن عباس
رضي الله
عنهما : أنه صلى الله عليه وسلم
رآه بعينه ،
وروى
عطاء
عنه : أنه
رآه بقلبه . ثم ذكر
أقوالاً
وفوائد ، ثم قال : وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه
بعينه فليس
فيه قاطع ولا نص ، والمعول فيه على آيتي النجم ، والتنازع فيهما مأثور ،
والاحتمال
لهما ممكن ، وهذا القول الذي قاله
القاضي
عياض
رحمه الله
هو الحق ، فإن الرؤية في الدنيا ممكنة ، إذ لو لم تكن ممكنة ، لما
سألها موسى
عليه السلام ، لكن لم يرد نص بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه
، بل ورد ما
يدل على نفي الرؤية ، وهو
ما رواه
مسلم
في
صحيحه
،
عن
أبي ذر
رضي الله عنه
قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم
هل رأيت ربك
؟ فقال : نور أنى أراه
.
و في رواية :
رأيت
نوراً
.
وقد
روى
مسلم
أيضاً عن
أبي موس
الاشعري
رضي الله عنه
أنه قال : قام فينا رسول
الله صلى
الله عليه وسلم بخمس كلمات ، فقال : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام
،
يخفض القسط
ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل
الليل ،
حجابه النور
، (
وفي رواية :
النار
) ،
لو كشفه
لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه
.
فيكون - والله أعلم - معنى
قوله
لأبي ذر
رأيت نوراً
:
أنه رأى الحجاب ، ومعنى
قوله
نور
أنى أراه
.
النور الذي هو الحجاب يمنع
من رؤيته ، فأنى أراه ؟ أي فكيف أراه
والنور حجاب
بيني وبينه يمنعني من رؤيته ؟ فهذا صريح في نفي الرؤية . والله أعلم .
وحكى
عثمان بن
سعيد الدارمي
اتفاق
الصحابة على ذلك ،
ونحن إلى
تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى ، وإن كانت رؤية
الرب تعالى
أعظم وأعلى ، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة .
وقوله :
بغير إحاطة
ولا كيفية - هذا لكمال عظمته وبهائه ، سبحانه وتعالى ، لا تدركه الأبصار
ولا تحيط به
، كما يعلم ولا يحاط به علماً . قال تعالى :
لا تدركه
الأبصار
.
وقال تعالى :
ولا يحيطون
به علماً
.
وقوله :
وتفسيره على ما أراد الله وعلمه ، إلى أن قال : لا ندخل في ذلك متأولين
بآرائنا ولا
متوهمين بأهوائنا . أي كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب والسنة في
الرؤية ،
وذلك تحريف لكلام الله وكلام رسوله عن مواضعه . فالتأويل الصحيح هو الذي
يوافق ما
جاءت به السنة ، والفاسد المخالف له . فكل تأويل لم يدل عليه دليل من
السياق ،
ولا معه قرينة تقتضيه ، فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه ، إذ لو
قصده لحف
بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره ، حتى لا يوقع السامع في
اللبس
والخطأ ، فإن الله أنزل كلامه بياناً وهدىً ، فإذا أراد به خلاف ظاهره ،
ولم
يحف به قرائن تدل
على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد ، لم يكن بياناً ولا
هدىً .
فالتأويل إخبار بمراد المتكلم ، لا إنشاء .
وفي هذا
الموضع يغلط كثير من
الناس ، فإن
المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه ، فإذا قيل : معنى اللفظ كذا وكذا ،
كان إخباراً
بالذي عنى المتكلم ، فإن لم يكن الخبر مطابقاً كان كذباً على المتكلم ،
ويعرف مراد
المتكلم بطرق متعددة : منها : أن يصرح بإرادة ذلك المعنى . ومنها : أن
يستعمل
اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع ، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد
ذلك المعنى
، فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له ،
كقوله :
وكلم الله
موسى تكليماً
.
و
إنكم
ترون ربكم
عياناً كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب
.
فهذا مما يقطع
به السامع
له بمراد المتكلم ، فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع
له مع
القرائن المؤكدة ، كان صادقاً في إخباره . وأما إذا تأول الكلام بما لا يدل
عليه ولا
اقترن به ما يدل عليه ، فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه ، وهو تأويل
بالرأي ،
وتوهم بالهوى .
وحقيقة
الأمر : أن قول القائل : نحمله على كذا ، أو :
نتأوله بكذا
، إنما هو من باب دفع دلالة اللفظ عما وضع له ، فإن منازعه لما احتج
عليه به ولم
يمكنه دفع وروده ، دفع معناه ، وقال : أحمله على خلاف ظاهره .
فإن
قيل : بل
للحمل معنى آخر، لم تذكروه ، وهو : أن اللفظ لما استحال أن يراد به حقيقته
وظاهره ،
ولا يمكن تعطيله ، استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره على أن مجازه هو
المراد ،
فحملناه عليه دلالة لا ابتداء .
قيل : فهذا
المعنى هو الإخبار عن
المتكلم أنه
أراده ، وهو إما صدق وإما كذب ، كما تقدم ، ومن الممتنع أن يريد خلاف
حقيقته
وظاهره ولا يبين للسامع المعنى الذي أراده ، بل يعرف بكلامه ما يؤكد إرادة
الحقيقة ،
ونحن لا نمنع أن المتكلم قد يريد بكلامه خلاف ظاهره ، إذا قصد التعمية
على السامع
حيث يسوغ ذلك ، ولكن المنكر أن يريد بكلامه خلاف حقيقته وظاهره إذا قصد
البيان
والإيضاح وإفهام مراده ! كيف والمتكلم يؤكد كلامه بما ينفي المجاز، ويكرره
غير مرة ،
ويضرب له الامثال .
وقوله :
فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز
وجل ولرسوله
صلى الله عليه وسلم ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه . أي : سلم
لنصوص
الكتاب والسنة، ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة ، أو
بقوله :
العقل يشهد بضد ما دل عليه النقل ! والعقل أصل النقل ! ! فإذا عارضه قدمنا
العقل ! !
وهذا لا يكون قط . لكن إذا جاء ما يوهم مثل ذلك : فان كان النقل صحيحا
فذلك الذي
يدعى أنه معقول إنما هو مجهول ، ولو حقق النظر لظهر ذلك . وإن كان النقل
غير صحيح
فلا يصلح للمعارضة، فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبداً .
ويعارض كلام
من يقول ذلك بنظيره ، فيقال : اذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل
، لأن الجمع
بين المدلولين جمع بين النقيضين ، ورفعهما رفع النقيضين ، وتقديم العقل
ممتنع ، لأن
العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول صلى الله عليه
وسلم، فلو
أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل ، ولو أبطلنا دلالة العقل لم
يصلح أن
يكون معارضا للنقل ، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الاشياء،
فكان تقديم
العقل موجبا عدم تقديمه ، فلا يجوز تقديمه . وهذا بين واضح ، فإن العقل
هو الذي دل
على صدق السمع وصحته ، وأن خبره مطابق لمخبره ، فإن جاز أن تكون الدلالة
باطلة
لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلًا صحيحاً ، وإذا لم يكن دليلاً
صحيحاً لم
يجز أن يتبع بحال ، فضلاً عن أن يقدم ، فصار تقديم العقل على النقل قدحاً
في العقل .
فالواجب
كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم ، والإنقياد لأمره
، وتلقي
خبره بالقبول والتصديق ، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً ، أو
نحمله شبهة
أو شكاً ، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم ، فنوحده بالتحكيم
والتسليم
والإنقياد والإذعان ، كما نوحد المرسل بالعبادة والخصوع والذل والإنابة
والتوكل .
فهما
توحيدان ، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما : توحيد المرسل
، وتوحيد
متابعة الرسول ، فلا نحاكم الى غيره ، ولا نرضى بحكم غيره ، ولا نوقف
تنفيذ أمره
وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه
، فإن أذنوا
له نفذه وقبل خبره ، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره
وخبره ،
وإلا حرفه عن مواضعه ، وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً ، فقال : نؤوله ونحمله .
فلأن يلقى
العبد ربه بكل ذنب - ما خلا الإشراك بالله - خير له من أن يلقاه بهذه
الحال . بل
إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فهل
يسوغ أن يؤخر قبوله
والعمل به
حتى يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه ؟ !
بل كان
الفرض المبادرة إلى امتثاله ، من غير التفات إلى سواه ، ولا يستشكل قوله
لمخالفته
رأي فلان ، بل يستشكل الآراء لقوله ، ولا يعارض نصه بقياس ، بل نهدر
الأقيسة ،
ونتلقى نصوصه ، ولا نحرف كلامه عن حقيقته ، لخيال يسميه أصحابه معقولا،
نعم هو
مجهول ، وعن الصواب معزول ! ولا يوفق قبول قوله على موافقة فلان دون فلان ،
كائناً من
كان .
قال الإمام
أحمد
:
حدثنا
أنس بن
عياض
،
حدثنا
أبو حازم
،
عن
عمرو بن
شعيب
،
عن
أبيه
،
عن
جده
،
قال : لقد
جلست أنا وأخي مجلساً ما
أحب أن لي به
حمر النعم ، أقبلت أنا وأخي ، وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم
جلوس عند باب من أبوابه ، فكرهنا أن نفرق بينهم ، فجلسنا حجرة ، إذ ذكروا
آية من
القران ، فتماروا فيها ، حتى ارتفعت أصواتهم ، فخرج رسول الله صلى الله
عليه
وسلم مغضباً
، قد احمر وجهه ، يرميهم بالتراب ، ويقول : مهلًا يا قوم ! بهذا أهلكت
الأمم من
قبلكم ، باختلافهم على أنبيائهم ، وضربهم الكتب بعضها ببعض ، إن القرآن لم
ينزل يكذب
بعضه بعضاً ، بل يصدق بعضه بعضاً ، فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم
منه فردوه
الى عالمه
.
ولا شك أن
الله قد حرم القول عليه بغير علم ، قال
تعالى :
قل إنما حرم
ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم
والبغي بغير
الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما
لا تعلمون
.
وقال تعالى :
ولا تقف ما
ليس لك به علم
.
فعلى العبد أن يجعل ما بعث
الله به رسله ، وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب
اتباعه ،
فيصدق بأنه حق وصدق ، وما سواه من كلام سائر الناس يعرضه عليه ، فإن وافقه
فهو حق ،
وإن خالفه فهو باطل ، وان لم يعلم : هل خالفه أو وافقه - يكون ذلك الكلام
مجملاً لا
يعرف مراد صاحبه ، أوقد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو
بتكذيبه -
فإنه يمسك عنه ، ولا يتكلم إلا بعلم ، والعلم ما قام عليه الدليل ،
والنافع منه
ما جاء به الرسول ، وقد يكون علم من غير الرسول ، لكن في الأمور
الدنيوية ،
مثل الطب والحساب والفلاحة ، وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية ،
فهذه العلم فيها ما أخذ عن الرسول لا غير .
-----------------------------------------------------------
كتبه : ابن أبي العز الحنفـي
المصدر :
شرح العقيدة الطحاوية
|