البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >>  من أهل الجنة >>

 

مؤمن آل فرعون

‏قال تعالى : {‏ وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ‏.‏ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ‏}  الآية رقم ‏(‏28 ‏:‏ 29‏)‏  غافر .

المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطياً من آل فرعون، قال السدي‏:‏ كان ابن عم فرعون، واختاره ابن جرير، ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيلياً، لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه وكف عن قتل موسى عليه السلام، ولو كان إسرائيلياً لأوشك أن يعاجله بالعقوبة لأنه منهم، قال ابن عباس‏:‏ لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال‏:‏ ‏{‏يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير‏"‏، وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون‏:‏ ‏{‏ذروني أقتل موسى‏}‏ فأخذت الرجل غضبة للّه عزَّ وجلَّ، وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، كما ثبت بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون، وهي قوله‏:‏ ‏{‏أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللّه‏}‏، اللهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما قال، قلت لعبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما‏:‏ أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏؟‏ قال‏:‏ بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي اللّه عنه، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم قال‏:‏ ‏{‏أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم‏}‏ ‏"‏أخرجه البخاري في صحيحه‏"‏‏؟‏ وروى ابن أبي حاتم عن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه أن سئل‏:‏ ما أشد ما رأيت قريشاً بلغوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ مَرَّ صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم، فقالوا له‏:‏ أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏أنا ذاك‏)‏ فقاموا إليه، فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيت أبا بكر عند محتضنه من ورائه، وهو يصيح بأعلى صوته، وإن عينيه ليسيلان وهو يقول‏:‏ يا قوم ‏{‏أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم‏}‏‏؟‏ حتى فرغ من الآية كلها ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم والنسائي‏"‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقد جاءكم بالبينات من ربكم‏}‏ أي كيف تقتلونه وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق‏؟‏ ثم تنزل معهم في المخاطبة فقال‏:‏ ‏{‏وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم‏}‏، يعني إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي أن تتركوه ونفسه فلا تؤذوه، فإن يك كاذباً فإن اللّه سبحانه سيجازيه على كذبه، وإن يك صادقاً وقد أذيتموه يصبكم بعذ الذي يعدكم، فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة، فينبغي أن لا تتعرضوا له بل اتركوه وشأنه‏.‏

وقوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏{‏إن اللّه لا يهدي من هو مسرف كذاب‏}‏ أي لو كان هذا كاذباً كما تزعمون، لكان أمره بيناً يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، وهذا نرى أمره سديداً ومنهجه مستقمياً، ولو كان من المسرفين الكذابين، لما هداه اللّه وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله، ثم قال المؤمن محذراً قومه زوال نعمة اللّه عنهم وحلول نقمة اللّه بهم‏:‏ ‏{‏يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض‏}‏ أي قد أنعم اللّه عليكم بهذا الملك، والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر اللّه تعالى وتصديق رسوله صلى اللّه عليه وسلم، واحذورا نقمة اللّه إن كذبتم رسوله ‏{‏فمن ينصرنا من بأس اللّه إن جاءنا‏}‏ أي لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر ولا ترد عنا شيئاً من بأس اللّه إن أرادنا بسوء، ‏{‏قال فرعون‏}‏ لقومه راداً على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد ‏{‏ما أريكم إلا ما أرى‏}‏ أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي، وقد كذب فرعون فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة، ‏{‏قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر‏}‏، وقال اللّه تعالى‏:‏ {‏وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً‏}‏، فقوله‏:‏ ‏{‏ما أريكم إلا ما أرى‏}‏ كذب فيه وافترى، وخان رعيته فغشهم وما نصحهم، وكذا قوله‏:‏ ‏{‏وما أهديكم إلا سبيل الرشاد‏}‏ أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد، وقد كذب أيضاً في ذلك وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه، قال اللّه تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد‏}‏، وقال جلّت عظمته‏:‏ ‏{‏وأضل فرعون قومه وما هدى‏}‏‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام‏)‏‏.‏

{‏ وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ‏.‏ مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ‏.‏ ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ‏.‏ يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ‏.‏ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ‏.‏ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ‏}‏ الآية رقم ‏(‏30 ‏:‏ 35‏)‏ غافر .

هذا إخبار من اللّه عزَّ وجلَّ عن هذا الرجل الصالح مؤمن آل فرعون أنه حذر قومه بأس اللّه تعالى في الدنيا والآخرة، فقال‏:‏ ‏{‏إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب‏}‏ أي الذين كذبوا رسل اللّه في قديم الدهر كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم المكذبة، كيف حل بهم بأس اللّه وما رده عنهم راد ولا صده عنهم صاد ‏{‏وما اللّه يريد ظلماً للعباد‏}‏، أي إنما أهلكهم اللّه تعالى بذنوبهم وتكذبيهم رسله ومخالفتهم أمره، فأننفذ فيهم قدره، ثم قال‏:‏ ‏{‏يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد‏}‏ يعني يوم القيامة، وسمي بذلك لما جاء في حديث الصور إن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضاً، وقال الضحاك‏:‏ بل ذلك إذا جيء بجنهم ذهب الناس هراباً منهم، فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والملك على أرجائها‏}‏، وقيل‏:‏ لأن الميزان عنده ملك إذا وزن عمل العبد فرحج نادى بأعلى صوته، ألا قد سعد فلان ابن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف عمله نادى ألا قد شقي فلان ابن فلان، وقيل‏:‏ سمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار {‏أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً‏؟‏ قالوا نعم‏}، ومناداة أهل النار أهل الجنة {‏أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللّه قالوا إن اللّه حرمهما على الكافرين‏}‏، ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة، وأهل النار كما هو مذكور في سورة الأعراف، واختار البغوي وغيره أنه سمي بذلك لمجموع ذلك، وهو قول حسن جيد، واللّه أعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم تولون مدبرين‏}‏ أي ذاهبين هاربين، ‏{‏ما لكم من اللّه من عاصم‏}‏ أي لا مانع يمنعكم من بأس اللّه وعذابه ‏{‏ومن يضلل اللّه فما له من هاد‏}‏ أي من أضله اللّه فلا هادي له غيره، وقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات‏}‏ يعني أهل مصر قد بعث اللّه

فيهم رسولاً من قبل موسى عليه الصلاة والسلام وهو يوسف عليه الصلاة والسلام كان عزيز أهل مصر، وكان رسولاً يدعو إلى اللّه تعالى أمته بالقسط، فما أطاعوه تلك الطاعة إلا بمجرد الوزارة والجاه الدنيوي، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث اللّه من بعده رسولاً‏}‏ أي يئستم فقلتم طامعين ‏{‏لن يبعث اللّه من بعده رسولاً‏}‏ وذلك لكفرهم وتكذيبهم، ‏{‏كذلك يضل اللّه من هو مسرف مرتاب‏}‏ أي كحالكم هذا يكون حال من يضله اللّه لإسرافه في أفعاله وارتياب قلبه، ثم قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏الذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان أتاهم‏}‏ أي الذين يدفعون الحق بالباطل ويجادلون الحجج بغير دليل وحجة معهم من اللّه تعالى، فإن اللّه عزَّ وجلَّ يمقت على ذلك أشد المقت، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏كبر مقتاً عند اللّه وعند الذين آمنوا‏}‏ أي والمؤمنون أيضاً يبغضون من تكون هذه صفته، فإن من كانت هذه صفته يطبع اللّه على قلبه، فلا يعرف بعد ذلك معروفاً ولا ينكر منكراً، ولهذا قال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏كذلك يطبع اللّه على كل قلب متكبر‏}‏ أي على اتباع الحق ‏{‏جبار‏}‏ قال قتادة‏:‏ آية الجبابرة القتل بغير حق، واللّه تعالى أعلم‏.‏

{‏ وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ‏.‏ أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب ‏} الآية رقم ‏(‏36 ‏:‏ 37‏)‏  غافر .

يقول تعالى مخبراً عن فرعون وعتوه، وتمرده وافترائه في تكذيبه موسى عليه الصلاة والسلام، أنه أمر وزيره ‏{‏هامان‏}‏ أن يبني له ‏{‏صرحاً‏}‏ وهو القصر العالي المنيف الشاهق، وكان اتخاذه من الآجر المضروب من الطين المشوي، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات‏}‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ أبواب السماوات، وقيل‏:‏ طرق السماوات ‏{‏فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً‏}‏، وهذا من كفره وتمرده أنه كذب موسى عليه الصلاة والسلام في أن اللّه عزَّ وجلَّ أرسله إليه، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل‏}‏ أي بصنعه هذا الذي أراد أن يوهم به الرعية، أنه يعمل شيئاً يتوصل به إلى تكذيب موسى عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما كيد فرعون إلا في تباب‏}‏ قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ يعني إلا في خسار‏.‏

{‏ وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ‏.‏ يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ‏.‏ من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ‏}‏ الآية رقم ‏(‏38 ‏:‏ 40‏)‏  غافر .

يقول المؤمن لقومه ممن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الجبار الأعلى فقال لهم‏:‏ ‏{‏يا قوم اتبعونِ أهدكم سبيل الرشاد‏}‏ لا كما كذب فرعون في قوله‏:‏ ‏{‏وما أهديكم إلا سبيل الرشاد‏}‏، ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروها على الأخرى، وصدتهم عن التصديق برسول اللّه موسى عليه الصلاة والسلام، فقال‏:‏ ‏{‏يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع‏}‏ أي قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب وتضمحل، ‏{‏وإن الآخرة هي دار القرار‏}‏ أي الدار التي لا زوال ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم، ولهذا قال جلت عظمته ‏{‏من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها‏}‏ أي واحدة مثلها، ‏{‏ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب‏}‏ أي لا يتقدر بجزاء، بل يثيبه اللّه عزَّ وجلَّ ثواباً كبيراً، لا نقضاء له ولا نفاذ‏.‏

{‏ ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ‏.‏ تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ‏.‏ لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار ‏.‏ فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ‏.‏ فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب ‏.‏ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ‏}‏ الآية رقم ‏(‏41 ‏:‏ 46‏)‏ غافر .

يقول لهم المؤمن‏:‏ ما بالي أدعوكم إلى النجاة، وهي عبادة اللّه وحده لا شريك له، وتصديق رسوله صلى اللّه عليه وسلم الذي بعثه ‏{‏وتدعونني إلى النار * تدعونني لأكفر باللّه وأشرك به ما ليس لي به علم‏}‏ أي على جهل بلا دليل ‏{‏وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار‏}‏ أي هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه ‏{‏لا جرم أنَّ ما تدعونني إليه‏}‏ يقول‏:‏ حقاً، قال ابن جرير‏:‏ معنى قوله ‏{‏لا جرم‏}‏‏:‏ حقاً، وقال الضحاك ‏{‏لا جرم‏}‏‏:‏ لا كذب، المعنى إنَّ الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد ‏{‏ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة‏}‏ قال مجاهد‏:‏ الوثن ليس له شيء، وقال قتادة‏:‏ يعني الوثن لا ينفع ولا يضر، وقال السدي‏:‏ لا يجيب داعيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا كقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏ومن أضل ممن يدعو من دون اللّه من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وأن مردنا إلى اللّه‏}‏ أي في الدار الآخرة فيجازي كلاً بعمله، ولهذا قال ‏{‏وأن المسرفين هم أصحاب النار‏}‏ أي خالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم باللّه عزَّ وجلَّ ‏{‏فستذكرون ما أقول لكم‏}‏ أي سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه وتندمون حيث لا ينفعكم الندم ‏{‏وأفوض أمري إلى اللّه‏}‏ أي وأتوكل على اللّه وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم، ‏{‏إن اللّه بصير بالعباد‏}‏ أي هو بصير بهم تعالى وتقدس، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدر النافذ‏.‏

وقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏فوقاه اللّه سيئات ما مكروا‏}‏ أي في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فنجاه اللّه تعالى مع موسى عليه الصلاة والسلام، وأما في الآخرة فبالجنة، ‏{‏وحاق بآل فرعون سوء العذاب‏}‏ وهو الغرق في اليم ثم النقلة منه إلى الجحيم، فإن أرواحهم تعرض على النار صباحاً ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب‏}‏ أي أشده ألماً وأعظمه نكالاً، وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏النار يعرضون عليها غدواً وعشياً‏}‏‏.‏ وقد روي عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة من اليهود، وهي تقول‏:‏ أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم‏؟‏ فارتاع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال‏:‏ ‏(‏إنما يفتن يهود‏)‏، قالت عائشة‏:‏ فلبثنا ليالي ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ألا إنكم تفتنون في القبور‏)‏ قالت عائشة رضي اللّه عنها‏:‏ فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد، يستعيذ من عذاب القبر ‏"‏أخرجه مسلم والإمام أحمد‏"‏‏.‏ وروى البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها أن يهودية دخلت عليها فقالت‏:‏ نعوذ باللّه من عذاب القبر، فسألت عائشة رضي اللّه عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، عن عذاب القبر، فقال صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نعم عذاب القبر حق‏)‏ قالت عائشة رضي اللّه عنها‏:‏ فما رأيت رسول اللّه بعدُ صلَّى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر ‏"‏أخرجه البخاري في صحيحه‏"‏‏.‏ وأحاديث عذاب القبر كثيرة جداً‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ‏{‏غدواً وعشياً‏}‏‏:‏ صباحاً ومساء ما بقيت الدنيا، يقال لهم‏:‏ يا آل فرعون هذه منازلكم، توبيخاً ونقمة وصغاراً لهم، وقال ابن زيد‏:‏ هم فيها يُغْدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة، وقال ابن أبي حاتم، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏ إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود تغدو على جهنم وتروح عليها، فذلك عرضها ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود موقوفاً‏"‏، وفي حديث الإسراء، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال فيه‏:‏ ‏(‏ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق اللّه، رجال كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، مصفدون على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً ‏{‏ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب‏}‏ وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون‏)‏، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه اللّه تعالى قال، قلنا‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ ما إثابة الكافر‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إن كان قد وصل رحماً أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة أثابه اللّه تبارك وتعالى المال والولد والصحة وأشباه ذلك‏)‏‏.‏ قلنا‏:‏ فما إثابته في الآخرة‏؟‏ فقال صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏عذاباً دون العذاب‏)‏، وقرأ‏:‏ ‏{‏أدخلوا آل فرعون أشد العذاب‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم والبزار‏"‏‏.‏ وعن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه عزَّ وجلَّ إليه يوم القيامة‏)‏ ‏"‏أخرجه الشيخان والإمام أحمد‏"‏‏.‏ مختصر ابن كثير .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M