البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> العقيدة في الله >>

 

التعريف بالله وربط القلوب به

تمهيد :

ما كان لنا أن نطيل في عرض المسألة الأولى لولا ما أثير حولها من شكوك وشبهات تقتضي من الباحث أن يبين عوارها :

وقد آن لنا أن نبسط القول في المسألة الثانية ، وهي أهم مسائل هذا الباب ، وصلب هذه المباحث .

وقد سبق أن قررنا أن القرآن سلك سبيلين لتقرير هذه الحقيقة الكبيرة :

الأولى : الحديث عن بديع صنع الله في خلقه ، وبيان ما في هذا الكون من إعجاز يشي بعظمة الخالق سبحانه .

الثانية : الحديث المباشر عن الله : ذاته ، وأسمائه ، وصفاته ، ونعمه ومخلوقاته ، وسنحاول – إن شاء الله تعالى – أن نفصل القول في ذلك ، والله المستعان .

دلالة الآيات الكونية على خالقها ومبدعها

المطلب الأول

منهج القرآن في الاستدلال بالآيات الكونية

1- ارتياد الكون عبر آيات القرآن

يأخذنا القرآن في جولات وجولات نرتاد آفاق السماء ، ونجول في جنبات الأرض ، ويقف بنا عند زهرات الحقول ، ويصعد بنا إلى النجوم في مداراتها ، وهو في كلّ ذلك يفتح أبصارنا وبصائرنا ، فيرينا كيف تعمل قدرة الله وتقديره في المخلوقات ، ويكشف لنا أسرار الخلق والتكوين ، ويهدينا إلى الحكمة من الخلق والإيجاد والإنشاء ، ويبين عظيم النعم التي حبانا بها في ذوات أنفسنا وفي الكون من حولنا .

إنه حديث طويل في كتاب الله يطالعك في طوال سوره وقصارها ، وهو حديث مشوق تنصت إليه النفس ، ويلذه السمع ، ويستثير المشاعر والأحاسيس .

ولقد طالعت الكثير مما توصل إليه العلم والعلماء في شتى جوانب الحياة يبينون أسرار الخلق ، ودلالة الخلق على الخالق ، فما وجدت في شيء من ذلك كلّه ما وجدته في القرآن من جمال وصـف ، ووفرة علم ، واستثارة مشاعر ، وحسن توجيه ، ودقة استنتاج ، وكيف لا يكون كذلك وهو تنزيل الحكيم الحميد !!

فعل الله في الكون :

تعال معي لنقوم بجولة مع الآيات القرآنية ؛ نرتاد هذا الكون ليرينا كيف تعمل قدرة الله في مختلف أرجاء الكون : في الحبّة تلقى في التربة فتنفلق ، وتضرب بجذورها في التربة ، فيخرج من الحبّة الجامدة حياة تتمثل في سوق ، وأوراق ، وأزهار تفوح بالشذى ، وثمار يتغذى بها الإنسان والحيوان . وفي الإصباح وهو ينبلج ... وفي سكون اليل ... ومسير الشمس والقمر .. ( إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنَّى تؤفكون – فالق الإصباح وجعل اليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم ) [ الأنعام : 95-96 ] .

وانظر إلى مشهد السحاب كيف يصنعه الله ، والبرد كيف يكوّنه ويصرفه ( ألم تر أن الله يُزجى سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله رُكاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبالٍ فيها من بردٍ فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) [ النور : 43 ] .

ويحدثنا الله عن فعله في الظلّ : ( ألم تر إلى ربك كيف مدَّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً – ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً ) [ الفرقان : 45-46 ]

وانظر إلى تصريفه شؤون الحياة والأحياء والليل والنهار : ( قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزُّ من تشاء وتذلُّ من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيٍ قديرٌ – تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) [ آل عمران : 26-27 ] .

لا يكتفي القرآن بأن يرينا قدرة الله وهي تعمل في الكون ، وعلمه يحيط بالمخلوقات ، وتصريفه للشؤون المختلفة ... ولكنّه – مع ذلك – يعرفنا بالغاية التي خلق الكون من أجلها .

خلق الله هذه الأرض من أجل الإنسان ( هو الذي خلق لكم مَّا في الأرض جميعاً ) [البقرة : 29] خلقها لنا على نحو يتوافق مع طبيعتنا وتكويننا ويحقق لنا الصلاح ، وهذا ما سماه القرآن بالتسخير .

وهو لا يخبرنا بذلك مجرد إخبار ، وإنّما يوقفنا على هذا التسخير الذي جعله الله في الكون ، ( ألم تروا أنَّ الله سخَّر لكم ما في السَّماوات وما في الأرض ) [ لقمان : 20] فالنجوم خلقت لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر : ( وهو الذَّي جعل لكم النُّجوم لتهتدوا بها في ظلمات البّرِ والبحرِ قد فصِّلنا الآيات لقومٍ يعلمون ) [ الأنعام : 97 ] .

والأرض والسماء ، وإنزال الماء من السماء ، والسفن السابحة في البحر ، والأنهار الجارية في جنبات الأرض ، والشمس والقمر ، وتعاقب الليل والنهار ... كلّ ذلك مخلوق لنا ولخيرنا ولصلاحنا ( الله الذي خلق السَّماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخِّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخَّر لكم الأنهار – وسخَّر لكم الشمس والقمر دائِبين وسخِّر لكم الليل والنَّهار – وَآتَاكُم من كلّ ما سألتموه ) [ إبراهيم : 32-34 ] .

2- نعم الله في الكون

عرّفنا القرآن بأنّ الله خلق هذا الكون وسخّره لنا ، فجعله متوافقاً مع جبلتنا ، وقدّره تقديراً تصلح به حياة الإنسان ، والقرآن يتخذ من هذا الحديث والبيان سبيلاً ليشكر الإنسان ربّه ، إذ الإنسان مفطور على حب من أحسن إليه ( هل جزاء الإحسان إلاَّ الإحسان ) [ الرحمن : 60 ] .

ولذلك فقد أفاض القرآن في ذكر النعم التي حباها الله عباده في ذوات أنفسهم ( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ) [الملك : 23] ، وفي الكون من حولهم : ( الذي جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون – والذي نزَّل من السماءِ ماء بقدرٍ فأنشرنا به بلدةً مَّيتاً كذلك تخرجون – والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون – لتستووا على ظهوره ثمَّ تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) [ الزخرف : 10-13 ] .

وخلق لنا الشمس والقمر على نحو يحقق النفع والصلاح ( هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدَّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) [ يونس : 5 ] .

والأنعام من الجمال والأبقار والأغنام ، وكذلك الخيل والبغال والحمير خلقها لنا على نحو يفيدنا ويتناسب مع طبائعنا وتكويننا ( والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون – ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون – وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إنَّ ربَّكم لرءوفٌ رحيمٌ – والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون ) [ النحل : 5-8 ] .

والبحر مخلوق لنا أيضاً ، وفي خلقه على ما هو عليه ما يحقق لنا الشيء الكثير ( وهو الذَّي سخَّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلَّكم تشكرون ) [ النحل : 14] .

والنحل خلقه الله ليقوم بذلك العمل الرائع ، لينتج لنا ذلك الشراب المختلف الألوان ، ليتغذى به البشر ، ويكون لهم شفاء ( وأوحى ربُّك إلى النَّحل أن اتَّخذي من الجبال بيوتاً ومن الشَّجر وممَّا يعرشون – ثمَّ كلى من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانه فيه شفاءٌ للنَّاس إنَّ في ذلك لأيةً لقومٍ يتفكرون ) [النحل : 68-69] .

التعرف على الله من خلال آياته الكونية سبيلٌ حثَّ عليه القرآن :

حث القرآن عباد الله على النظر في آيات الله الكونية : الأرض ، والسماء ، وما فيهما وما بينهما ، وجعل النظر والتأمل في ذلك من الذكرى التي تنفع المؤمنين .

وقد أعجبني تسمية بعض المعاصرين لهذا المنهج ( بقانون السير والنظر ) لكثرة حث الآيات القرآنية على ذلك ، وقد يكون السير والنظر حسيّان ، فيسير المرء بقدميه ، وينتقل من بلد لآخر ، كما قد يكون النظر بالبصر ، وقد يكونان بالفكر والعقل .

وقد جاء الأمر في القرآن أمراً عاماً ( قل انظروا ماذا في السَّماوات والأرض ) [ يونس : 101] . وقد يأتي أمراً خاصاً ( فلينظر الإنسان ممَّ خلق ) [ الطارق : 5] ، ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) [ عبس : 24 ] .

3- استدلال القرآن بالآيات الكونية على

استحقاق الخالق الربوبية والألوهية وبطلان ما يعبد من دون الله

يتخذ القرآن من الآيات الكونية مادة يناقش بها المشركين ، ويقيم بها الحجة عليهم ( أولم ير الذين كفروا أنَّ السَّماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كلَّ شيٍ حىٍ أفلا يؤمنون – وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلَّهم يهتدون – وجعلنا السَّماء سقفاً مَّحفوظاً وهم عن آياتها معرضون – وهو الذي خلق الليل والنَّهار والشَّمس والقمر كلٌ في فلكٍ يسبحون ) [ الأنبياء : 30-32 ] .

ويبين لهم فساد معتقداتهم في معبوداتهم ، فهي لا تملك صفات الربوبية والألوهية التي تستحق أن تعبد بها ، وتتخذ آلهة من دون الله : ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آللَّهُ خير أمَّا يشركون – أمَّن خلق السَّماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائِق ذات بهجةٍ مَّا كان لكم أن تنبتوا شجرها أَإِلَهٌ مع الله بل هم قومٌ يعدلون – أمَّن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أَإِلَهٌ مع الله بل أكثرهم لا يعلمون – أمَّن يجيب المضطرَّ إذا دعاه ويكشف السُّوء ويجعلكم خلفاء الأرض أَإِلَهٌ مع الله قليلاً ما تذكَّرون – أمَّن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أَإِلَهٌ مع الله تعالى الله عمَّا يشركون – أمَّن يَبْدَأُ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السَّماء والأرض أَإِلَهٌ مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) [ النمل : 59-64 ] .

إنّ الآيات تبين عدم صلاحية الآلهة المدعاة للعبادة ، فالله وحده الخالق للسماء والأرض ، المنزل للماء من السماء ، والمنبت به الحدائق التي تسرّ النفس ، وتبهج النظر ، وهو الذي جعل الأرض قراراً وسيّر خلالها الأنهار ، وثبتها بالجبال ... ، فهو المعبود الحق ، وغيره لم يفعل شيئاً ، فلا يستحق أن يعبد من دون الله .

وعلينا أن نستخدم هذا النوع من الاستدلال في مواجهة الكفرة والملحدين ، فقد استخدمه الرسل من قبل ، وأكثروا من الاحتجاج به ، فهذا إبراهيم خليل الرحمن يناقش الملحد ، ويقيم عليه الحجة بهذا النوع من الاستدلال بحيث يخرس لسانه ويدهش فكره
( ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتَاهُ الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يُحيي ويميت قال أنا أُحْيِي وأُميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشَّمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظَّالمين ) [ البقرة : 258 ] .

وهذا موسى كليم الله يستخدم الاستدلال نفسه في مواجهة طاغية عصره فرعون ، ولا يزال يأتيه بالدليل في إثر الدليل حتى يعجزه ، فيلجأ إلى التهديد والوعيد : ( قال فرعون وما ربُّ العالمين – قال ربُّ السَّماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين – قال لمن حوله ألا تستمعون – قال ربكم وربُّ آبَائِكُمُ الأوَّلين – قال إنَّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنونٌ – قال ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون – قال لئِن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنَّك من المسجونين ) [ الشعراء : 23-29 ] .

بل إن هذا النوع من الاستدلال طريقة جميع الرسل ، ارجع إلى سورة إبراهيم (آية 9 ، 10 ) واقرأ ما قالته الأقوام المكذبة قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، ثم إجابة الرسل حيث قالوا : ( أفي الله شكٌ فاطر السَّماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم ) [إبراهيم : 10] .

فاستدلوا على صدق دعوتهم بأن الله – سبحانه – فاطر السَّماوات والأرض أي موجدهما وخالقهما .

الكفر مُستَنكَر مستعجب مع وضوح الأدلة :

ولذلك يسأل القرآن سؤالاً يشي بالعجب من كفر الكافرين مع وضوح الأدلة والبراهين ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يحييكم ثُمَّ إليه ترجعون ) [ البقرة : 28 ] .

ويسأل في آية أخرى ( يا أيها الإنسان ما غرَّك بربك الكريم – الذي خلقك فسوَّاك فعدلك – في أي صورة ما شاء ركَّبك ) [ الانفطار : 6-8 ] .

إن مقتضى نظر الإنسان في نفسه وفي الكون من حوله يوجب عليه التوجه إلى خالقه وتعظيمه ، ولذلك كان غريباً كفر الكافرين وجحد الجاحدين ( مَّا لكم لا ترجون لله وقاراً – وقد خلقكم أطواراً – ألم تروا كيف خلق الله سبع سمواتٍ طباقاً – وجعل القمر فيهنَّ نوراً وجعل الشَّمس سراجاً – والله أنبتكم من الأرض نباتاً – ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً ) [ نوح : 13-18 ] .

4- الذين ينتفعون بآيات الكون هم أولو الألباب

إن آيات الله في الكون لا تتجلى على حقيقتها الموحية إلا للقلوب الذاكرة العابدة ؛ لأن هذه القلوب انكشفت عنها الحجب وتفتحت واتصلت بالكون العجيب ، فالقرآن أقام الوصلة بين القلب البشري وإيقاعات هذا الكون الهائل الجميل ، وهذه الوصلة هي التي تجعل للنظر في كتاب الكون والتعرف إليه أثراً في هذا القلب البشري ، وقيمة في الحياة البشرية . هذه هي الوصلة التي يقيمها القرآن بين المعرفة والعلم وبين الإنسان الذي يعلم ويعرف ، ولذلك نصّ القرآن على أن الذي يهتدي بآيات الكون هم صنف معين من الناس ( إنَّ في خلق السَّماوات والأرض واختلاف الليل والنَّهار لآياتٍ لأولي الألباب – الَّذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكَّرون في خلق السَّماوات والأرض ربَّنا ما خلقت هذا باطلاً سُبحانك فقنا عذاب النَّار ) [ آل عمران : 190-191 ] .

هؤلاء هم الذين ينتفعون بآيات الكون ، لأنهم لم يقفوا عند حدود المنظر المشهود البادي للعيان ؛ بل نظروا إلى اليد التي تسيره والقدرة التي تصنعه ، إنهم يستخدمون أبصارهم وأسماعهم وعقولهم وأفكارهم على خير وجه في هذا المجال ، مسترشدين بآيات الكتاب التي تعين السمع والبصر والفكر والعقل على التوصل إلى خير ما يمكن للإنسان أن يصل إليه ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكَّرون – ومن آياته خلق السَّماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنَّ في ذلك لآياتٍ للعالمين – ومن آياته منامكم بالليل والنَّهار وابتغاؤكم من فضله إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يسمعون – ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السَّماء ماءً فُيحيي به الأرض بعد موتها إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون ) [ الروم : 21-24 ] .

فالآيات تتكشف للذين يتفكرون ويسمعون ويعقلون ؛ أي على وجه الحقيقة المؤدية إلى المطلوب .

أما الكفار فإنهم يشاهدون الحدث ولا يتجاوزونه بعقولهم وأفكارهم إلى صانعه وخالقه ، ولا يدركون الحكمة من وراء الخلق ( يعلمون ظاهراً من الحياة الدُّنيا ) [ الروم : 7 ] .

ولذلك لم ينتفعوا بالآيات الكونية ؛ لأنهم لم ينظروا إليها من خلال المنظار القرآني : ( قل انظروا ماذا في السَّماوات والأرض وما تغني الآياتُ والنُّذر عن قومٍ لا يؤمنون ) [يونس : 10 ] .

ولذلك فإن القرآن ينكر على الكافرين والجاحدين تركهم النظر والاعتبار ( أولم ينظروا في ملكوت السَّماوات والأرض وما خلق الله من شيءٍ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأيّ حديث بعده يؤمنون ) [ الأعراف : 185 ] .

5- العلوم الحديثة تقطع الوشيجة بين الناس والكون

يقول سيد قطب – رحمه الله – : " إن مناهج البحث التي يسمونها ((علمية)) في هذا الزمان تقطع ما وصل الله من وشيجة بين الناس والكون الذي يعيشون فيه .

فالناس قطعة من هذا الكون لا تصح حياتهم ولا تستقيم إلا حين تنبض قلوبهم على نبض هذا الكون ، وإلا حين تقوم وثيقة بين قلوبهم وإيقاعات هذا الكون الكبير ، وكل معرفة بنجم من النجوم ، أو فلك من الأفلاك ، أو خاصة من خواص النبات والحيوان ، أو خواص الكون كله على وجه الإجمال ، وما فيه من عوالم حية وجامدة – إذا كانت هناك عوالم جامدة – أو أي شيء واحد جامد في هذا الوجود !

كل معرفة ‍((علمية)) يجب أن تستحيل في الحال إلى إيقاع في القلب البشري ، وإلى ألفة مؤنسة بهذا الكون ، وإلى تعارف يوثق أواصر الصداقة بين الناس والأشياء والأحياء ، وكل معرفة أو علم أو بحث يقف دون هذه الغاية الحية الموحية المؤثرة في حياة البشر ، هي معرفة ناقصة ، أو علم زائف ، أو بحث عقيم .

إن هذا الكون هو كتاب الحق المفتوح الذي يقرأ بكل لغة ، ويدرك بكل وسيلة ، ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة وساكن الكوخ ، والمتحضر ساكن العمائر والقصور ، كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده ، فيجد فيه زاداً من الحق ، حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق ، وهو قائم مفتوح في كل آن ( تبصرةً وذكرى لكل عبدٍ منيبٍ ) [ ق : 8 ] .

ولكن العلم الحديث يطمس هذه التبصرة ، أو يقطع الوشيجة بين القلب البشري والكون الناطق المبين ، لأنه في رؤوس مطموسة رانت عليها خرافة ( المنهج العلمي ) ، المنهج الذي يقطع ما بين الكون والخلائق التي تعيش فيه .

والمنهج الإيماني لا ينقص شيئاً من ثمار (( المنهج العلمي )) في إدراك الحقائق المفردة ، لكنه يزيد ربط هذه الحقائق المفردة بعضها ببعض ، وردها إلى الحقائق الكبرى ، ووصل القلب البشري بها ، أي وصله بنواميس الكون وحقائق الوجود ، وتحويل هذه النواميس والحقائق إلى إيقاعات مؤثرة في مشاعر الناس وحياتهم ، لا معلومات جامدة جافة متحيزة في الأذهان لا تفضي لها بشيء من سرّها الجميل ، والمنهج الإيماني هو الذي يجب أن تكون له الكرة في مجال البحوث والدراسات ليربط الحقائق العلمية التي يهتدي إليها ، بهذا الرباط الوثيق ... ". (1)

6- دلالة الخلق على صفات الخالق

إذا نظرنا إلى آلة دقيقة الصنع ، بديعة التكوين ، غاية في القوة والمتانة ، تقوم بعملها على خير وجه ، فلا بدّ أن ندرك بلا كثير تفكير أن صانعها يتصف بصفة الحياة والعلم ولديه قدرة وإرادة ... إلى آخر تلك الصفات التي تنبئنا عنها الآلة .

وهذا الكون يشي ويعرّف بكثير من صفات الخالق ، فمن ذلك :

قدرته وعلمه : هذا الكون الهائل الضخم الشاسع الواسع السائر وفق نظام دقيق لا بدّ أن يكون صانعه قديراً عليماً ، والله خلق الخلق بهذا التكوين الهائل وهذا النظام الكامل ليعرفنا بقدرته وعلمه ( الله الذي خلق سبع سماواتٍ ومن الأرض مثلهنَّ يتنزَّلُ الأمر بينهنَّ لتعلموا أنَّ الله على كل شيءٍ قديرٌ وأنَّ الله قد أحاط بكل شيءٍ علما ) [الطلاق :12] .

ولا بد أن يكون العلم الذي يحكم هذا الكون شاملاً كاملاً ( ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقةٍ إلا يعلمها ولا حبَّةٍ في ظُلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلاَّ في كتابٍ مبينٍ ) [ الأنعام : 59 ] .

وهو حكيم : فالنظر في هذا الكون يشي بأنّه محكم متقن قد  وضع كلّ شيء منه في موضعه المناسب ، وخُلق بالمقدار المناسب ، في غاية الجودة والإتقان ( وترى الجبال تحسبها جامدةً وهي تمرُّ مرَّ السَّحاب صنع الله الذي أتقن كل شيءٍ ) [ النمل : 88 ] ، ( الذي أحسن كلَّ شيءٍ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طينٍ ) [ السجدة : 7 ] .

ولذلك فإن الناظر المتبصر في خلق الله لا يرى إلا الكمال والإتقان ، ولو بحث عن عيب في الخلق لأعجزه ( الذي خلق سبع سماواتٍ طباقاً مَّا ترى في خلق الرحمن من تفاوتٍ فارجع البصر هل ترى من فطورٍ – ثم ارجع البصر كرَّتين ينقلب إليك البصر خاسِئاً وهو حسيرٌ ) [ الملك : 3-4 ] .

صفات أُخرى : ما ذكرناه من دلالة الخلق على بعض صفات خالقه أردنا به التمثيل ، لا الحصر والاستقصاء ، وهو تمثيل يفتح الباب للاستدلال والبحث ، وإلا ففي الكون الكثير من الآيات الدالة على عظمة الله وعزته ولطفه ، واستمع إلى الصفات الإلهية التي ذكرها الله في ختام كلّ آية من الآيات التالية ( ألم تر أنَّ الله أنزل من السَّماء ماءً فتصبح الأرض مخضرَّةً إنَّ الله لطيف خبيرٌ – له ما في السَّماوات وما في الأرض وإنَّ الله لهو الغنيُّ الحميد – ألم تر أنَّ الله سخَّر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السَّماء أن تقع على الأرض إلاَّ بإذنه إنَّ الله بالنَّاس لَرَؤُوفٌ رحيمٌ ) [ الحج : 63-65 ].

7- الله وحده المستحق للعبادة

الهداية التي يجلبها النظر والتفكر في الآيات الكونية توجه إلى عبادة الله وحده ، فالله وحده هو الخالق المدبر المقيم للسماوات والأرض الرازق المحيي المميت ... ؛ لذلك فهو المستحق للعبادة دون سواه :

( يا أيَّها النَّاس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلَّكم تتَّقون – الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسَّماء بناءً وأنزل من السَّماء ماءً فأخرج به من الثَّمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) [ البقرة : 21-22] .

( يا أيَّها النَّاس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السَّماء والأرض لا إله إلاَّ هو فأنَّى تؤفكون ) [ فاطر: 3 ] .

وبهذا الطريق – كما سبق – أثبت القرآن بطلان الآلهة المدعاة وعدم استحقاقها شيئاً من العبادة ( خلق السَّماوات بغير عمدٍ ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبثَّ فيها من كل دابةٍ وأنزلنا من السَّماء ماءً فأنبتنا فيها من كلّ زوجٍ كريم ٍ – هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظَّالمون في ضلالٍ مبينٍ ) [ لقمان : 10-11 ] .

ولذلك فإنّه يذكّر خلقه بالآيات الكونية وتصريفه الأمور وتدبيره الشؤون ثم يعقب على ذلك في كثير من آي القرآن بقوله : ( ذلكم الله ربُّكم ) [ الزمر : 6 ] أي ذلكم الإله الذي يستحق العبادة دون سواه .

استمع إلى هذه الآيات وتأمل التعقيب عليها : ( خلق السَّماوات والأرض بالحقَّ يكور الليل على النَّهار ويكور النَّهار على الليل وسخَّر الشمس والقمر كلٌ يجري لأجلٍ مسمى ألا هو العزيز الغفَّار – خلقكم من نفسٍ واحدةٍ ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواجٍ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلقٍ في ظُلماتٍ ثلاثٍ ذلكم الله ربُّكم له الملك لا إله إلا هو فأنَّى تُصرفون ) [ الزمر : 5-6 ] .

--------------------------------

(1) في ضلال القرآن : تفسير سورة (ق) ، آية ( تبصرةً وذكرى لكل عبدٍ منيبٍ ) .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M